محاسن الإسلام (2)

 وهو سبحانه قد عرف المسلم على ماهية النفس البشرية وكيف يسوسها، وعرفه على فضائل تلك النفس وآفاتها. وبين له الحلال والحرام. فعندما تشتري أي آلة، ما أول شئء تفعله؟. إن أول شئء تفعله انك تنظر إلى الكتيب المرفق بهذه الآلة الذي يشرح كيفية استخدامها، فترى كيف تعمل؟ وما الذي يسبب تعطلها؟ وماذا تفعل اذا تعطلت؟ وكيفية صيانتها؟. وهكذا الأمر بالنسبة للشريعة، فالله عز وجل  هو الذي خلقنا ويعلم ما يصلح حالنا وما لا يصلحنا. ولا يأمرنا بشيء إلا وفيه فائدة ومصلحة لنا، ولا ينهانا عن شيء إلا وفيه ضرر لنا.

 قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119]. أي: قد فصل الله لعباده ما حرم عليهم، وبينه، ووضحه. وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 151-152].

 وقد النبي – عليه الصلاة والسلام – في خطبة شاملة يوم عرفة مجموعة من الأوامر والمنههيات والوصايا، فعن عمرو بن الأحوص – رضى الله عنه – قال: (أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال أي يوم أحرم، أي يوم أحرم، أي يوم أحرم؟ قال: فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا  في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده، ألا إن المسلم أخو المسلم، فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، ألا وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأول دم أضع من دم الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل. ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا وإن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)[1]

 كما أرشدهم إلى كيفية التعامل مع الآخرين، وعلمهم قيم العدل والمحبة والتعاون على البر والتقوى والتناصح والرحمة، وأعلمهم أن لكل فرد حقوق وعليه واجبات، فالوالدين والأبناء والأزواج والزوجات والأقارب والجيران والأصحاب والمتآخين في الله وشركاء العمل، والخدم والعبيد والأجير، كل هؤلاء لهم حقوق وعليهم واجبات. وحقوق ولاة الأمر وواجبهم نحو رعاياهم. فقد آخَى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ سَلْمَانَ وأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: ما شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أخُوكَ أبو الدَّرْدَاءِ ليسَ له حَاجَةٌ في الدُّنْيَا. فَجَاءَ أبو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ له طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فإنِّي صَائِمٌ، قَالَ: ما أنَا بآكِلٍ حتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فأكَلَ، فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ. فَصَلَّيَا فَقَالَ له سَلْمَانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فأتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذَكَرَ ذلكَ له، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ.)[2].

وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا، والخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ. قالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأَحْسِبُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: والرَّجُلُ في مَالِ أبِيهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ.)[3].

وأمرهم بالشورى، ورسم لهم طريق السياسة مع الأعداء وبيَّن لهم ما تُعامل به الأمم الأجنبية من الحرب ووجوبها، والسلم ووجوبه، والمعاهدات وحفظ العهود، وأوجب عليها الاستعداد بكل قوَّةٍ يستطيعونها، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ]الأنفال: 60[ .

وحرم أمورًا وأوجب لها عقوبات، فحرم قتل النفس بغير حق، وحرم الزنا ومقدماته، وقذف المحصنات، وحرم الربا، وشرب الخمر، والميسر، والسرقة، فأوجب القصاص والحدود. وقد ظهر لنا مضار المحرمات كالزنا، والخلاعة والمجون والتعري والشذوذ واطلاق النظر إلى الحرام والربا وأكل أموال الناس بالباطل والسرقة والغش، والتطفيف في الكيل والميزان، والخنزير والخمر والميتة، والغيبة والنميمة والسخرية من الآخرين، أليست هذه هي المحرمات، وقد رأينا نتيجة فعل هذه الأفعال في البلاد الغربية، فرأينا الإنحلال والفساد وإنتشار الموبقات وإنتكاس الفطرة.

 وبين الإسلام للمسلمين الأخلاق التي يجب التعامل بها فيما بينهم من صدق وأمانة وعدل وتواضع وحياء وصبر، ونهى عن الغش والخداع ونقض العهود والغيبة والنميمة والسخرية من الآخرين. فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:  (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق( [4]. وقال عليه الصلاة والسلام :( إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ؟ قالَ : المتَكَبِّرونَ [5] (.

ويهتم بأمر الجار والضيف فيقول صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ([6].

ويحث على الرفق ويأمر به فيقول: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ([7].

ويقول صلى الله عليه وسلم: ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا ( [8].

ويقول: ( إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد ([9].

ويقول صلى الله عليه وسلم:ـ (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخُن من خانك ([10].

ويقول: ( إن خياركم أحسنكم قضاءً ([11].أي: فإن أفضلكم في معاملة الناس، وأكثركم ثوابًا؛ أحسنكم قضاء للحقوق التي عليه دينا أو غيره. وقال صلى الله عليه وسلم: )رحم الله رجلا سمحا اذا باع، واذا اشترى، واذا اقتضى ([12].

ويقول: مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي ([13].

وقال صلى الله عليه وسلم:أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايـم الله لوأن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها([14].

وقال صلى الله عليه وسلم الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسوله، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ ([15]. هذه هي أخلاق ومعاملات الاسلام، هل فيها تقييد أو كبت حريات، انها فضائل الأعمال.                                                                                                                                                                                  

ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإخلاد إلى الكسل والعجز والدعة والراحة. وحثهم على طلب الرزق ونهاهم عن التواكل. ووضع قوانين للتعاملات الإقتصادية في البيع والشراء والإعارة والهبة والمواريث، حتى أن أطول آية في القرآن تتكلم عن تشريعات إقتصادية وقضائية، حتى أطلق عليها العلماء "آية الدين". وأوائل سورة النساء تتكلم عن الحفاظ على المال، وحفظ حق اليتيم، وكيفية توزيع الميراث.

 ورغب في النكاح، وحرم منه ما يضر بالفرد والمجتمع، ووضع إطر للحفاظ على البيت المسلم من الفساد، وشرع الطلاق في حال إستحالة العشرة بالمعروف وتعذر الوئام بينهما أو وقوع ضرر لأحد الطرفين.

حتى أن الشريعة الإسلامية اهتمت بالإنسان بعد موته، فأرشدت إلى كيفية التعامل حال موت الإنسان من غسل وتكفين والصلاة عليه ودفنه وميراثه ووصيته.



[1] سنن الترمذي (3087)، حسنه الألباني

[2] صحيح البخاري (1968)

[3] أخرجه البخاري (2409)، مسلم (1829(

[4] أخرجه أحمد (8939)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (273)

[5] سنن الترمذي (2018)، صححه الألباني

[6] صحيح البخاري (6018)

[7]صحيح مسلم (2594)

[8] صحيح البخاري (5304)

[9] صحيح مسلم (2865)

[10] سنن أبي داود (3534)، صححه الألباني

[11] صحيح البخاري (1601)

[12] صحيح البخاري (2076)

[13] صحيح مسلم (102)

[14] صحيح البخاري (4304)

[15] صحيح مسلم (55)


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان

محاسن الإسلام (يسر الدين، ورفع الحرج)

الرأفة بالعبيد والخدم