محاسن الإسلام (3)

 

وقد شجعت الشريعة الإسلامية على إعمار الأرض وزراعتها، كما رغبت المسلم ليكون إيجابيًا في كل أحواله، وأن يكون نافعًا لنفسه ولغيره، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على كل فعل من أفعال البر والإحسان والصدقة والنفع للغير حتى ولو لم ير الفاعل ثمرته، كما قال إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها[1]. أي: إذا ظن أحدكم ظنًا أكيدًا أن القيامة بأشراطها ومواصفاتها قد قامت "وفي يد أحدكم فسيلة"، أي: نبتة صغيرة من النخل، "فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، أي: يزرعها في التربة، ولا يترك عمل الخير والنفع، وهذه مبالغة وحث على فعل الخير حتى في أحلك الظروف، ولو ظن صاحبه انعدام الانتفاع به.

 

وحثت على استغلال الوقت، فقال النبي – عليه الصلاة والسلام -: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ)[2]. [3]

(فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى اغتنام الفرص في الحياة؛ للعمل للآخرة بـملء الأوقات بالطاعات؛ لأنها هي عمر الإنسان في الدنيا، وذخيرته في الآخرة. فقال: اغتنم زمان قوتك في الشباب على العبادة، وغيرها من أعمال الخير قبل كبرك وضعفك عن الطاعة. واغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم والـمرض، واشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض انـجبر بذلك؛ فيستفيد الإنسان من صحته ما قد يضعفه المرض عنه يوما ما. واغتنم قدرتك على العبادات المالية والخيرات والـمبرات الأخروية في مطلق الأحوال، مثل التصدق بفضل مالك ونـحوه، قبل فقدك المال في حياتك، أو قبل الـممات، وفقدك المال الذي تعطي منه في وجوه الخير، فتصير فقيرًا في الدارين. وعلى الإنسان أن يستغل أوقات فراغه ويعمل فيها بالخير قبل أن تشغله الشواغل؛ كالزواج، والأولاد، وطلب الرزق، ونحو ذلك. واغتنم الأعمال الصالحة في الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت)[4].

 والحلال فيها بين والحرام بين، فعن النعمان بن بشير – رضى الله عنه قال: قال النبي – عليه الصلاة والسلام -: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ([5]. فهذا الحديث الجليل هو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام؛ فهو حديث عظيم، وأصل من أصول الشريعة، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، حث فيه النبي صلى الله عليه وسلم على الورع، وترك المتشابهات في الدين، وبين أن الحلال ظاهر واضح، وهو كل شيء لا يوجد دليل على تحريمه؛ من كتاب أو سنة، أو إجماع أو قياس؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة، وكذلك الحرام ظاهر واضح، وهو ما دل دليل على تحريمه، سواء كان هذا الدليل من الكتاب، أو من السنة، أو من الإجماع. وبين أن بين الحلال والحرام قسما ثالثا، وهو المشتبهات، وهي الأمور التي تكون غير واضحة الحكم من حيث الحل والحرمة، فلا يعلم الكثير هل هي حلال أو حرام، ويدخل في ذلك جميع الأمور المشكوك فيها؛ مثل: المال المشبوه أو المخلوط بالربا، أو غيره من الأموال المحرمة، أما إن تأكد أن هذا من عين المال الربوي، فإنه حرام صرف دون شك، ولا يعد من المشتبهات. ثم أوضح صلى الله عليه وسلم أن من اجتنب المشتبهات فقد طلب البراءة لنفسه، فيسلم له دينه من النقص، وعرضه من القدح والذم والسمعة السيئة، أما من وقع في الشبهات واجترأ عليها، فقد عرض نفسه للخطر، وأوشك على الوقوع في الحرام. فمن يتهاون بالشبهات، فإنه على خطر؛ لأنها ربما كانت حراما، فيقع فيه، وأنه ربما تساهل في الشبهات فأدى به ذلك إلى الاستهتار واللامبالاة، فيقع في الحرام عمدا؛ فإن الشبهة تجر إلى الصغيرة، والصغيرة تجر إلى الكبيرة.[6]

 



[1] صحيح الأدب المفرد (371)

[2] صحيح الترغيب (3355)

[3] بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر... ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2315)

[4] موقع الدرر السنية، الموسوعة الحديثية

[5] أخرجه البخاري (52 )، ومسلم (1599) باختلاف يسير

[6] موقع الدرر السنية، الموسوعة الحديثية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان

محاسن الإسلام (يسر الدين، ورفع الحرج)

الرأفة بالعبيد والخدم