الإخلاص
نلاحظ قدرًا كبيرًا من الجماليات في قضية الإخلاص:
o فالمسلم يكون له توجه واحد في جميع أعماله، وهو أن يعمل العمل مبتغيًا به رضا الله عز وجل، فليس هناك آلهة آخرى يطلب رضاها، ولا يكون همه على الدوام إرضاء الناس. يقول الله عز وجل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ]الزمر: 29[.
قال السعدي: (ضرب مثلا للشرك والتوحيد
فقال: } ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا {أي: عبدا } فِيهِ
شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ {فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من
الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه
ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ } وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ {أي: خالصًا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة
التامة.} هَلْ يَسْتَوِيَانِ {أي: هذان الرجلان
} مَثَلًا {؟ لا يستويان. كذلك
المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا
يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه اللّه من الشركة لغيره، فهو في
أتم راحة وأكمل طمأنينة) .
وعن
أبي موسى الأشعري، قال: (جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما القِتَالُ في سَبيلِ اللَّهِ؟ فإنَّ أحَدَنَا
يُقَاتِلُ غَضَبًا، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ، قالَ: وما
رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلَّا أنَّه كانَ قَائِمًا، فَقالَ: مَن قَاتَلَ
لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، فَهو في سَبيلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ).[1]
o
يستطيع المسلم إذا أحسن النية وأخلصها لله عز وجل أن يجعل
يومه كله حسنات من أول استيقاظه إلى نومه، وحتى نومه يستطيع أن يأخذ من ورائه أجر.
فلا يقتصر استحضار النية الصالحة على العبادات فقط بل تشمل
كل حياة المسلم من سكنات وحركات وأكل وشرب ونوم والسعي في طلب الرزق والزواج وحتى
الجماع. فمن يريد أن ينام في القيلولة، من أجل أن يقوم الليل، يكون نومه هذا
عبادة، يأكل ليتقوى على الطاعة، فيكون أكله عبادة. وآخر يأكل ليتقوى على المعصية،
أو ينام في النهار ليسهر بالليل على معصية، فمثل هذا يكون نومه معصية.
وزواجك
إن أردت به العفاف تأخذ عليه أجر، بل ويعينك الله عز وجل. فعن أبي هريرة رضى الله
عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونهم :
المجاهدُ في سبيلِ اللهِ، والْمُكَاتَبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي
يُرِيدُ العفافَ)[2]
حتى
إطعامك لزوجتك وأولادك يمكن أن تأخذ عليه أجر أن أحسنت النية. فعن سعد بن أبي
وقاص، قال: كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعُودُنِي وأَنَا مَرِيضٌ
بمَكَّةَ، فَقُلتُ: لي مَالٌ، أُوصِي بمَالِي كُلِّهِ؟ قالَ: لا قُلتُ:
فَالشَّطْرِ؟ قالَ: لا قُلتُ: فَالثُّلُثِ؟ قالَ: "الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ
خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ في أيْدِيهِمْ،
ومَهْما أنْفَقْتَ فَهو لكَ صَدَقَةٌ، حتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا في فِي
امْرَأَتِكَ، ولَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ، يَنْتَفِعُ بكَ نَاسٌ، ويُضَرُّ
بكَ آخَرُونَ".[3]
وعن
أبي ذر، قال: أنَّ
نَاسًا مِن أَصْحَابِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالوا للنَّبيِّ
صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا رَسولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ
بالأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ
بفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قالَ: أَوَليسَ قدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ما
تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً،
وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ
صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ،
قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجْرٌ؟
قالَ: أَرَأَيْتُمْ لو
وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في
الحَلَالِ كانَ له أَجْرٌ."[4]. فيمكن أن تكون
نيته أن يعف نفسه ويعف زوجته وأن يبغي من وراء ذلك الولد الصالح.
ومر
على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من
جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال صلى الله عليه
وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على
أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في
سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)[5].
وطلبك
للعلم يمكن أن نؤُجر عليه إذا أحسنت النية. فعن أبي الدرداء رضى الله عنه قال: قال
رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به
طريقًا من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ،
وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ
الماءِ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ
الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا
ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ).[6]
قال
بعض السلف: "إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في أكلي وشربي ونومي
ودخولي الخلاء"
o والمسلم المخلص لا يضع
في إعتباره أشخاصًا يطلب ودهم، ولا يشتت نفسه ويحيرها طلبًا لرضا الخلق، لأن الخلق
مهما فعلت لهم فلن تستطيع أن ترضيهم
جميعًا، ومنهم من إن فعلت لهم كل ما في وسعك وبذلت لهم الكثير فلن يقدروا ذلك. فأنت
عندما تخلص العمل لله وحده، فإن شكرك الناس فبها ونعمت، وإلم يشكروك فقد أخذت أجرك
من الله عز وجل.
o ووجوه الخير كثيرة
والتي يمكن أن يتحصل منها المسلم على الأجر الكبير، كما في الحديث عن أبي هريرة
رضى الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ
عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بيْنَ الِاثْنَيْنِ
صَدَقَةٌ، ويُعِينُ الرَّجُلَ علَى دابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عليها، أوْ يَرْفَعُ
عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ
يَخْطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، ويُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.)[7].
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: قال لي النَّبي صلى
الله عليه وسلم: (لا تحقرنَّ
من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق)[8]
o وأفضل الأعمال ما كان
متخفيًا لا يطلع عليه بشر، فهي أبعد ما تكون عن الرياء. ولذلك كانت صلاة الليل
أفضل الصلوات بعد الصلاة المكتوبة. فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: (سُئِلَ [أي
النبي صلى الله عليه وسلم]: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ؟
وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقالَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ
بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ
الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ.)[9]
وكان ثواب الصوم لا يقدره إلا الله عز وجل، فلم يكله
تعالى إلى ملائكته، بل تولى جزاءه تعالى بذاته، ذلك لأن الصوم سر بين العبد وربه.
فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ) كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا، إلى سَبْع مِائَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا
الصَّوْمَ؛ فإنَّه لي، وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن
أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ
لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ.)[10]
وقال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271
.[
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله عليه الصلاة
والسلام: (صِلَةُ الرَّحِمِ تَزيدُ في العُمْرِ، وصَدَقةُ السِّرِّ تُطفِئُ غضبَ
الرَّبِّ)[11]
.
وجاء عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه أنه قال:
"من استطاع منكم أن يكون له خِبْءٌ من عمل صالح فليفعل".
وحديث السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل
إلا ظله، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة
والسلام: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ
تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ
في عِبَادَةِ اللَّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ
تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ دَعَتْهُ
امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فَقالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ
تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ
يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.).[12]
فنلاحظ أن كل هؤلاء لم يحملهم على فعل ما فعلوا إلا مراقبة الله والخوف منه
والإخلاص له سبحانه.
o والإخلاص ينجي المؤمن مما ينزل به من شدائد، وكل بحسب قدر إخلاصه وتوكّله، قال الله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) [لقمان: 32[.
o والمؤمن المخلص همته
عالية، فهو يترفع عن الأهداف الدنيوية ولا تعطله العقبات، لأنه لا ينظر إلى الدنيا
ولكن يرنو إلى أبعد من ذلك وهو رضا الله عز وجل والنعيم المقيم الذي أعده الله
سبحانه للمخلصين.
o إذا أخلص كل منا في
مكانه، وكان الكل يرجو رضوان الله عز وجل، فسوف يكون الترابط والتعاون بين أفراد
المجتمع أيسر وثمرته أنجح. وسوف نتجنب ألأمراض المجتمعية مثل الكذب والنفاق والحقد
والحسد والإهمال والخيانة وضياع الأمانة.
فأي دين غير الإسلام يجعل من حياة الإنسان منظومة
متكاملة ذات وجهة واحدة، وبثاب فيها على كل فعل وقول إذا قرن ذلك بالنية الصالحة
الخالصة لله عز وجل.
[1] أخرجه
البخاري (123)، ومسلم (1904)
[2] سنن الترمذي
(1655)، حسنه الألباني
[3] صحيح البخاري (5354)
[4] صحيح مسلم (1006)
[5] رواه الطبراني، ( 1692) وصححه
الألباني
[6] رواه أبو داود
(3641)، والترمذي (2682)، وأحمد (21715)، وصححه الألباني
[7] أخرجه
البخاري (2989)، ومسلم (1009(
[8] رواه مسلم (2626)
[9] صحيح مسلم (1163)
[10] أخرجه
البخاري (7492) مختصراً، ومسلم (1151) واللفظ له
[11] صحيح الجامع (3766)
[12] أخرجه
البخاري (1423)، ومسلم (1031(
[13] صحيح البخاري (2272)
[14] صحيح البخاري
(6491)، وأخرجه مسلم (131) باختلاف يسير
[15] صحيح مسلم (1911)
تعليقات
إرسال تعليق