من مواصفات النبي عليه الصلاة والسلام

جاء النبي - عليه الصلاة والسلام -  بنظام تشريعي شمولي من عند الله يشمل مناحي الحياة المختلفة.

ولم يكن النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -  مجرد مصلح اجتماعي أصلح حال قومه العرب، وقَوّم عاداتهم وأخرجهم من الجهالة والتخلف إلى العلم والرقي، ولم يكن مجرد سياسي استطاع أن يكسب احترام أعدائه قبل أصدقائه، و أن يغير موازين الحكم في الجزيرة العربية، ولم يكن مجرد قائد عسكري دانت له الجزيرة العربية وما بعدها بعد موته، و لم يكن مجرد شخصية ذات مبادئ وقيم سامية وأخلاق رفيعة، و لم يكن فقط تلك الشخصية المدافعة عن حقوق الإنسان بل وحتى حقوق الحيوان والنبات، بل إن أهم ما يميز النبي - عليه الصلاة والسلام -  هي صفة النبوة، فكثير من الشخصيات عبر التاريخ تمتعت بما سبق، فنجد المصلح الاجتماعي والسياسي البارع والقائد المحنك وذوي الأخلاق والقيم العالية، و لكن ما ميز النبي - عليه الصلاة والسلام -  بجانب كل ذلك أن الله - عز وجل -  آتاه منزلة النبوة وهي منزلة لا تتأتى لأي أحد؛ فالنبوة إنعام من الله - عز وجل -  ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [ الأنعام : 124]. والنبوة تشريفٌ سامٍ، وتكليفٌ شاقٌّ ومرموقٌ، ومنزلةٌ كُبرى، وفضلٌ عظيمٌ يهبه الله - تعالى - لمن ارتضاهم من عباده، قال تعالى ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ [ مريم : 58] .

و لما كان النبي - عليه الصلاة والسلام -  هو المبلغ عن الله - عز وجل -  وجب أن يتمتع بصفات ميزه الله - عز وجل -  بها عن جميع خلقه. فالأنبياء و إن كانوا يشتركون في الصفات البشرية - لأنه عندما يكون النبي من البشر فيجري عليه ما يجري على الآخرين، فيسهل عليهم تقليده و التأسي به، بخلاف ما إذا كان من الملائكة، أو كان عنده قدرات خارقة، فلا يستطيع الأتباع التأسي به في مواقف الحياة المختلفة – إلا أن الأنبياء جميعًا يتمتعون بصفات الكمال البشري، وتجتمع فيهم جميع الصفات والأخلاق الكريمة: كالصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، والشجاعة، والعصمة من الزلل، و ينتفي في حقهم جميع الصفات السيئة: كالكذب، والكتمان، والخيانة، والظلم.

أما غيرهم من عظماء الدنيا فلن تجدهم يتمتعون بكل الصفات الحسنة، فقد يتمتع أحدهم بصفة حسنة لكنه في الوقت ذاته يتمتع بصفات أخرى سيئة.

و النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -  بجانب ما يتمتع به جميع الأنبياء الذين سبقوه من صفة النبوة والصفات الحميدة، إلا أنه أيضًا تمتع بصفات لم تكن لغيره من الأنبياء منها:

1)            هو النبي الخاتم الذي ختمت به الرسالات ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40[

-       في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - عليه الصلاة والسلام -  قَالَ: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة ([1].

-       وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عليه الصلاة والسلام - ، قَالَ: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين [2](

-       وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - عليه الصلاة والسلام -  قَالَ: (إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد، وقد سماه الله رؤوفا رحيما)[3]

 

2)            و كذلك عموم رسالته للعالمين إنسهم وجنهم، وقد كان الأنبياء والرسل السابقون - عليهم الصلاة والسلام - يرسلون إلى أقوامهم خاصة . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

3)            و من المميزات أن معجزته باقية إلى يوم الدين بحفظ الله من التحريف أو التبديل، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وهو كتاب خالد لا ينضب معينه، ولا تنقضي عجائبه.

4)            و من المميزات أن الله - عز وجل -  خاطبه بصفة النبوة والرسالة والعبودية لله – سبحانه -، و لم يخاطبه باسمه، بينما خاطب سبحانه الأنبياء بأسمائهم، و في هذا تكريم للنبي محمد - عليه الصلاة والسلام - .

﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67[

﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 64[

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1[

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1[

 

5)            و أيضًا من مميزات النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -  أنه أُعطي جوامع الكلم، فكان - عليه الصلاة والسلام -  يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ، الكثير المعاني.

6)            و أيضًا أنه - عليه الصلاة والسلام -  أعطى مفاتيح خزائن الأرض، قال - عليه الصلاة والسلام -  (أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ)، قال النووي: (هذا من أعلام النبوة فإنه إخبار بفتح هذه البلاد لأمته، ووقع كما أخبر - عليه الصلاة والسلام -  ولله الحمد والمنة).

قال الخطابي: (المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة.

 

7)            و مما أعطيه النبي - عليه الصلاة والسلام -  سورة الفاتحة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - عليه الصلاة والسلام -، قَالَ: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ، إنها السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذي أعطيته [4](

 

8)            و أيضًا أنه نصر بالرعب، وجعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا وأحلت له الغنائم وأعطى الشفاعة الكبرى، كما في الحديث السابق: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، ....)[5]

 

9)            ولقد رفع الله - عز وجل -  ذكر الرسول - عليه الصلاة والسلام -، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، فقرن الله - عز وجل -  شهادة التوحيد بذكر النبي محمد - عليه الصلاة والسلام - . فعن قتادة (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.

و هكذا نرى أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن مجرد شخصية فاضلة فقط، و لكنه كان نبيًا من عند الله - عز وجل -  اوحى إليه، وهو هادي الإنسانية إلى طريق رب العالمين، فقد هدانا من الظلمات إلى النور، وبين لنا ما يرضي ربنا ودعانا للعمل به، وحذرنا مما يغضب ربنا ونهانا أن نفعله. أضف إلى ذلك كمال صفاته وأخلاقه وسيرته، وأننا مأمورون بحبه واتباعه ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ آل عمران: 31].

 

ويقول الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]. قال السعدي: (امتن الله تعالى عليهم، منة عظيمة، أعظم من منته على غيرهم، لأنهم عادمون للعلم والخير، وكانوا في ضلال مبين، يتعبدون للأشجار والأصنام والأحجار، ويتخلقون بأخلاق السباع الضارية، يأكل قويهم ضعيفهم، وقد كانوا في غاية الجهل بعلوم الأنبياء، فبعث الله فيهم رسولاً منهم، يعرفون نسبه، وأوصافه الجميلة وصدقه، وأنزل عليه كتابه }يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ {القاطعة الموجبة للإيمان واليقين،} وَيُزَكِّيهِمْ {بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصلها لهم، ويزجرهم عن الأخلاق الرذيلة،} وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ {أي: علم القرآن وعلم السنة، المشتمل ذلك علوم الأولين والآخرين، فكانوا بعد هذا التعليم والتزكية منه أعلم الخلق، بل كانوا أئمة أهل العلم والدين، وأكمل الخلق أخلاقًا، وأحسنهم هديًا وسمتًا، اهتدوا بأنفسهم، وهدوا غيرهم، فصاروا أئمة المهتدين، وهداة المؤمنين، فلله عليهم ببعثه هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، أكمل نعمة، وأجل منحة).

 

ويقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]. قال السعدي: ( أي: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.  وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.  فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك باللّه، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.

فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب، والمناكح. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال(.



[1] أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521(

[2] صحيح البخاري (3535)

[3] صحيح مسلم (2354)

[4] أخرجه الترمذي (2875)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11205(

[5] أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521(


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان

محاسن الإسلام (يسر الدين، ورفع الحرج)

الرأفة بالعبيد والخدم