النبي عليه الصلاة والسلام أبًا
كان النبي عليه الصلاة والسلام أبًا رحيمًا رفيقًا بأبنائه، فعن أنس بن مالك – رضى الله عنه – قال: (ما رَأَيْتُ أَحَدًا كانَ أَرْحَمَ بالعِيَالِ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: كانَ إبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا له في عَوَالِي المَدِينَةِ، فَكانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ معهُ، فَيَدْخُلُ البَيْتَ وإنَّه لَيُدَّخَنُ، وَكانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ. قالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إبْرَاهِيمُ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ إبْرَاهِيمَ ابْنِي، وإنَّه مَاتَ في الثَّدْيِ (أي: في سن الرضاعة)، وإنَّ له لَظِئْرَيْنِ (أي: مرضعتين) ُتكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ في الجَنَّةِ.)[1].
ويقول
أيضًا: دَخَلْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى أَبِي سَيْفٍ
القَيْنِ، وكانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عليه السَّلَامُ، فأخَذَ رَسولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا
عليه بَعْدَ ذلكَ وإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ
عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: وأَنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: يا ابْنَ عَوْفٍ
إنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأُخْرَى، فَقالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى
رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.[2]
ويحب السيدة فاطمة حبًا شديدًا، فعن المسور بن مخرمة،
قال: (سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ يقولُ وهو علَى المِنْبَرِ: إنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ
اسْتَأْذَنُوا في أنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بنَ أبِي طَالِبٍ، فلا
آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، إلَّا أنْ يُرِيدَ ابنُ أبِي طَالِبٍ أنْ
يُطَلِّقَ ابْنَتي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فإنَّما هي بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي
ما أرَابَهَا، ويُؤْذِينِي ما آذَاهَا هَكَذَا قَالَ([3].
ورغم ذلك لم يمنعه حبه لها أن يكون ناصحًا لها، ويدلها
على النفع الآخروي، فعن على بن أبي طالب – رضى الله عنه – قال: (أنَّ
فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ شَكَتْ ما تَلْقَى مِن أثَرِ الرَّحَا، فأتَى
النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ،
فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فأخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ أخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ
عليه وسلَّمَ إلَيْنَا وقدْ أخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأقُومَ، فَقَالَ:
علَى مَكَانِكُمَا. فَقَعَدَ بيْنَنَا حتَّى وجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ علَى
صَدْرِي، وقَالَ: ألَا أُعَلِّمُكُما خَيْرًا ممَّا سَأَلْتُمَانِي؟ إذَا
أخَذْتُما مَضَاجِعَكُما تُكَبِّرَا أرْبَعًا وثَلَاثِينَ، وتُسَبِّحَا ثَلَاثًا
وثَلَاثِينَ، وتَحْمَدَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ؛ فَهو خَيْرٌ لَكُما مِن خَادِمٍ([4] فكان النبي –
عليه الصلاة والسلام - يعلمهم ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وكان يعلمهم الأذكار
الجامعة التي يعطي الله عليها الثواب العظيم، وتكون لهم عوضا عن شدة العيش في
الدنيا.
وامتد حبه لأولاده إلى أحفاده، فعن يعلى بن مرة الثقفي
قال: أنَّهم خرجوا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
إلى طَعامٍ دُعوا لَهُ، فإذا حُسَيْنٌ يلعَبُ في السِّكَّةِ، قالَ: فتقدَّمَ
النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أمامَ القومِ، وبَسطَ يديهِ، فجعلَ الغلامُ
يفِرُّ ها هُنا وَها هُنا، ويضاحِكُهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
حتَّى أخذَهُ، فجعلَ إحدى يديهِ تحتَ ذقنِهِ، والأخرى في فأسِ رأسِهِ فقبَّلَهُ
وقالَ: حُسَيْنٌ منِّي، وأَنا مِن حُسَيْنٍ، أحبَّ اللَّهُ من أحبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ
سبطٌ منَ الأسباطِ[5].
ففيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العطف على الأولاد والترفق بهم.
وعن
أبي هريرة – رضى الله عنه – قال: (قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي
وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت
منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يرحم لا يرحم)[6].
ويروي
لنا أبو هريرة – رضى الله عنه -: كُنْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم في سُوقٍ مِن أسْوَاقِ المَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ:
أيْنَ لُكَعُ[7]؟
-ثَلَاثًا- ادْعُ
الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ. فَقَامَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وفي عُنُقِهِ
السِّخَابُ[8]،
فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِهِ هَكَذَا[9]،
فَقَالَ الحَسَنُ بيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي
أُحِبُّهُ فأحِبَّهُ، وأَحِبَّ مَن يُحِبُّهُ. وقَالَ
أبو هُرَيْرَةَ: فَما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ
ما قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قَالَ.[10]
ويقول
أبو قتادة الحارث بن ربعي: (خَرَجَ عَلَيْنَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
وأُمَامَةُ بنْتُ أبِي العَاصِ علَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى، فَإِذَا رَكَعَ وضَعَ،
وإذَا رَفَعَ رَفَعَهَا( [11]،
فحتى في الصلاة والتي تحتاج إلى خشوع، كان النبي – عليه الصلاة والسلام – رحيمًا
ورفيقًا بحفيدته.
[1] صحيح مسلم (2316)
[2] أخرجه
البخاري (1303)، ومسلم (2315(
[3] أخرجه
البخاري (5230)، ومسلم (2449(
[4] صحيح البخاري (3705)
[5] سنن ابن ماجه (118)، حسنه
الألباني
[6] أخرجه
البخاري (5997) واللفظ له، ومسلم (2318(
[7] كناية عن الصغير الذي لا يهتدي لمنطق ولا غيره،
وكان يقصد الحسن بن علي رضي الله عنهما
[8] هي قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من
أخلاط الطيب، تعمل على هيئة السبحة وتجعل قلادة للصبيان والجواري، أو هي خيط فيه
خرز
[9] أي: بسطها كما هو عادة من يريد المعانقة
[10] أخرجه
البخاري (5884) واللفظ له، ومسلم (2421(
[11] أخرجه
البخاري (5996)، ومسلم (543(
تعليقات
إرسال تعليق