أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام

 

كان خلقه عليه الصلاة والسلام القرآن، كما قالت السيدة عائشة رضى الله عنها. فكان النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الأخلاق الحميدة، وكان خلقه جميع ما حصل في القرآن من كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه، فقد تحلى به، وكل ما استهجنه، ونهى عنه، تجنبه وتخلى عنه، فكان صاحب خلق عظيم، فقيه النفس، كثير العبادة، كامل الإيمان والصدق، والشجاعة والصبر، والعفة والحلم، وغير ذلك، فكأنك ترى القرآن إنسانا في شخص النبي الكريم.

وهذه شهادة أقرب الناس إليه، السيدة خديجة – رضى الله عنها – عندما خشى على نفسه عندما جاءه جبريل – عليه السلام – في الغار: (كَلَّا، أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ)[1].

وتقول السيدة عائشة – رضى الله عنها - عَن خلقِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَت: لم يَكُن فاحِشًا ولا مُتفَحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواقِ، ولا يَجزي بالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولَكِن يَعفو ويَصفَحُ.[2]

 قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. قال السعدي: (فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان صلى الله عليه وسلم سهلًا لينا، قريبًا من الناس، مجيبًا لدعوة من دعاه، قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبًا، وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلي عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله عليه وسلم).

 ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. قال ابن كثير: (يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي : أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة).

ويقول الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. قال السعدي: (أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك} ولو كنت فظا {أي: سيئ الخلق }غليظ القلب {أي: قاسيه،} لانفضوا من حولك {لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيء).

فكان النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا رحيمًا، ومؤدبًا رفيقا، ومربيًا حليمًا، فكان إذا رأى من يفعل فعلًا خاطئًا فلا يعنفه ولا ويزجره ولا ينفره، ولكن كان يعلم ويوجه ويدعو بالتي هي أحسن، وإذا رأى من يفعل صوابًا مدحه، وأثنى عليه وشكر له.

عن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله.

ولذلك يقول أنس: والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعت: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء تركت: هلا فعلت كذا وكذا؟ )[3]

وجاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: (بيْنَا أنَا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَوْمُ بأَبْصَارِهِمْ، فَقُلتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيْدِيهِمْ علَى أفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَبِأَبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولَا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا منه، فَوَاللَّهِ، ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي ولَا شَتَمَنِي، قالَ: إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ أَوْ كما قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ)[4]

وعن أبي هريرة – رضى الله عنه – قال: (أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء - أو سجلًا من ماء- فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين.)[5]. وفي الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه. وفيه أن الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا.

 وقد اشتهر االنبي بين قريش بصدقه وأمانته حتى لقبوه بالصادق الأمين. وشهد بصدقه أعداؤه قبل أصدقائه. فعندما صعد إلى جبل الصفا وقال: "أَرَأَيْتكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟" قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا...

ولم رفضوا دعوته لأنه كاذب، ولكن رفضوها كبرًا، وحسدًا. قال المسور بن مخرمة قلت لأبي جهل- وكان خالي-:  يا خال، هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي، لقد كان محمد وهو شاب يُدعى فينا الأمين، فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب. قلت: يا خال، فلم لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي. فمتى نأتيهم بهذه؟ أو كما قال(.

ولما سأل هرقل أبو سفيان عن النبي – عليه الصلاة والسلام -: قال له: (أوَ كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال له أبو سفيان: لا. فقال هرقل: فما كان ليَدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل).

 

وكان يؤدي الأمانات إلى أهلها، حتى إلى الذين آذوه وأخرجوه من بلده. فعن عائشة -رضي الله عنها- عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وأمر - تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم-  عليًّا رضي الله عنه أن يتخلف عنه بمكة؛ حتى يؤدِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس. ولم يكن بمكة أحدٌ عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما يُعلم من صدقه وأمانته... فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثلاث ليالٍ وأيامها؛ حتى أدَّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لَحِق برسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

 

و رد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة –فقد كان مفتاح الكعبة من نصيب بني شيبة -: فعن ابن جريج قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، قال: نزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قَبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاحَ الكعبة، ودخلَ به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح.



[1] صحيح البخاري (6982)

[2] سنن الترمذي (2016)، صححه الألباني

[3] رواه مسلم (2310)

[4] رواه مسلم (537)

[5] رواه البخاري (6128)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان

محاسن الإسلام (يسر الدين، ورفع الحرج)

الرأفة بالعبيد والخدم